المشاركات الشائعة

الثلاثاء، 10 مارس 2015

بناء الأوطان ودعائم بناء دولة الإسلام


بسم الله الرحمن الرحيم
مما لا يشك فيه المسلم أن الإسلام ليس ككل ما سبقه من الأديان والشرائع . فدين الإسلام جاء ليجمع بين الدنيا والدين .اتضح ذلك جليا حتى قبل البعثة بعمل النبى فى التجارة .فلم تكن مهنة الإنبياء ولما فى التجارة من مآخذ على التجار لما تشتمل عليه فى الغالب من كذب وغش فان النبى عمل بها ليقدم النموذج الصالح للتاجر الصالح . فالإسلام دنيا ودين .
فكذلك أقام النبى دولة فى المدينة ولم يكن هذا من عادة الأنبياء .فالمعهود أن يهتم الأنبياء بهداية الناس من خلال العقيدة والأخلاق والتعاليم الإيمانية .دون المساس بدنيا الناس (دع ملقيصر لقيصر وما لله لله )
لكن دين الإسلام جاء ليبقى الى يوم القيامة  . فحدث الدمج ما بين الدنيا  والدين . من خلال بناء دولة الإسلام فى المدينة .
أسس بناء الدولة فى المدينة :-
أولا بناء المسجد:-
كان أول ما قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة بناء المسجد، وذلك لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين، وتنقي القلب من أدران الأرض وأدناس الحياة الدنيا.
أنشئ المسجد ليكون ملتقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه والوافدين عليه، طلبًا للهداية ورغبة في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته.
أنشئ ليجد الغريب فيه مأوى، وابن السبيل مستقرًا لا تكدره منَّة أحد عليه، فينهل من رفده ويعب من هدايته ما أطاق استعداده النفسي والعقلي،
أنشئ المسجد ليجد فيه المجتمع المسلم الجديد ركنًا في زواياه، ليكون مشفى يستشفى فيه جرحى كتائب الجهاد ليتمكن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- من عيادتهم، والنظر في أحوالهم، والاستطباب لهم، ومداواتهم في غير مشقة ولا نصب تقديرًا لفضلهم.
أنشئ المسجد ليكون مركزًا لبريد الإسلام، منه تصدر الأخبار، ويبرد البريد، وتصدر الرسائل، وفيه تتلقى الأنباء السياسية سلمًا أو حربًا، وفيه تتلقى وتقرأ رسائل البشائر بالنصر، ورسائل طلب المدد، وفيه ينعى المستشهدون في معارك الجهاد ليتأسى بهم المتأسون وليتنافس في الاقتداء بهم المتنافسون.
عمّار المساجد هم أولياء الله -عز وجل- وأحبابه من خلقه: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [(18)
المساجد بيوت الله -عز وجل- في الأرض، أطهر ساحات الدنيا، وأنقى بقاع الأرض، فيها تتآلف القلوب المؤمنة، وتنـزل رحمات الرب، وتهبط ملائكة الله، وتحل السكينة والخشوع.
المسجد هيئة لتأديب القلوب وتهذيب الأرواح، فالقلوب لا تتأدب إلا بالتربية المتأنية والكلمة اللينة والقدوة الحسنة، وهذه كلها وجدت في مسجده -عليه الصلاة والسلام
ثانيا :-المؤاخاة بين المسلمين :-
كان مبدأ التآخي العام بين المسلمين قائمًا منذ بداية الدعوة في عهدها المكي، وقد أكد القرآن الكريم الأخوة العامة بين أبناء الأمة في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [(103) سورة آل عمران]، أما هنا فهو المؤاخاة الخاصة التي شرعت وترتبت عليها حقوق وواجبات أخص من الحقوق والواجبات العامة بين المؤمنين كافة.
لقد ساهم نظام المؤاخاة في ربط الأمة بعضها ببعض، فقد أقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الصلة على أساس الإخاء الكامل بينهم، هذا الإخاء الذي تذوب فيه عصبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.
عقد الوثيقة بين المسلمين وغيرهم من سكان المدينة وتلخصت فوائدها فى الأتى :-
أولًا: تضمنت الصحيفة مبادئ عامة، درجت دساتير الدول الحديثة على وضعها فيها، وفي طليعة هذه المبادئ تحديد مفهوم الأمة، فالأمة في الصحيفة تضم المسلمين جميعًا مهاجريهم وأنصارهم ومن تبعهم، ممن لحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، وهذا شيء جديد كل الجدّه في تاريخ الحياة السياسية في جزيرة العرب، إذ نَقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- قومه من شعار القبلية والتبعية لها، إلى شعار الأمة التي تضم كل من اعتنق الدين الجديد، وقد جاء به القرآن الكريم في قول الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [(92) سورة الأنبياء]، وأصبحوا أمة واحدة تربط أفرادها رابطة العقيدة وليس الدم، فيتحد شعورهم وتتحد أفكارهم وتتحد قبلتهم ووجهتهم وولاؤهم لله وليس للقبيلة، واحتكامهم للشرع وليس للعرف.
ثانيًا: جعلت الصحيفة الفصل في كل الأمور بالمدينة يعود إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فقد نصت على مرجع فض الخلاف وقد جاء فيها: "وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله وإلى محمد -صلى الله عليه وسلم-": والمغزى من ذلك واضح وهو تأكيد سلطة عليا دينية تهيمن على المدينة وتفصل في الخلافات منعًا لقيام اضطرابات في الداخل من جرّاء تعدد السلطات، وفي نفس الوقت تأكيد ضمني برئاسة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الدولة.
ثالثًا: تحديد إقليم الدولة: جاء في الصحيفة: "وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة": إن المدينة كانت بداية إقليم الدولة الإسلامية ونقطة الانطلاق ومركز الدائرة، وقد أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ليثبتوا أعلامًا على حدود حرم المدينة من جميع الجهات، وحدود المدينة بين لابتيها شرقًا وغربًا، وبين جبل ثور في الشمال وجبل عَيْر في الجنوب.
ثم اتسع الإقليم باتساع الفتح، ودخول شعوب البلاد المفتوحة في الإسلام حتى عم مساحة واسعة في الأرض والبحر وما يعلوها من فضاء، حتى وصل حدود الدولة الإسلامية المحيط الأطلسي غربًا ومناطق واسعة من غرب أوربا وجنوبها ومناطق فسيحة من غرب آسيا وجنوبها، إلى أكثر أهل الصين وروسيا شرقًا وكل شمال إفريقيا وأواسطها.
إن إقليم الدولة مفتوح وغير محدود بحدود جغرافية أو سياسية، فهو يبدأ من عاصمة الدولة المدينة، ويتسع حتى يشمل الكرة الأرضية بأسرها قال الله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [(128) سورة الأعراف]، كما أن مفهوم الأمة مفتوح وغير منغلق على فئة دون فئة، بل هي ممتدة لتشمل الإنسانية كلها، إذا ما استجابت لدين الله تعالى الذي ارتضاه لخلقه ولبني آدم أينما كانوا، فالدولة الإسلامية دولة الرسالة العالمية، لكل فرد من أبناء المعمورة نصيب فيها، وهي تتوسع بوسيلة الجهاد في سبيل الله تعالى.
 إعداد الجيش لحماية الدولة:إن من السنن التي تعامل معها النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة التدافع، وتظهر جليًا في الفترة المدنية مع حركة السرايا والبعوث والغزوات التي خاضها النبي -صلى الله عليه وسلم- ضد المشركين، وهذه السُنة متعلقة تعلقًا وطيدًا بالتمكين لهذا الدين، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه العزيز وجاء التنصيص عليها في قوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [(251) سورة البقرة]، فقد شرع الله -عز وجل- الجهاد لهذه الأمة وجعله فريضة ماضية إلى يوم القيامة لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وما تركه قوم إلا أذلهم الله وسلط عليهم عدوهم.
: استمرارية البناء التربوي والعلمي:استمر القرآن المدني يتحدث عن عظمة الله وحقيقة الكون، والترغيب بالجنة والترهيب من النار، ويُشرّع الأحكام لتربية الأمة ودعم مقومات الدولة التي ستحمل نشر دعوة الله بين الناس قاطبة وتجاهد في سبيل الله.
وهكذا بنى النبى دولته فى المدينة على أسس جمعت مابين العلاقة الربانية والمعايش الإنسانية فى إطار يجع مابين الربانية والبشرية دون انعزال ودون الإفراط فى المادية .مقتبس بتصرف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق